مجمع البحوث الاسلامية
610
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ذلك من رجال حمير ، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما لم تضرّهما ، فأصفقت عند ذلك حمير على دينه ؛ فمن هنالك وعن ذلك كان أصل اليهوديّة باليمن . وقد حدّثني محدّث : أنّ الحبرين ، ومن خرج من حمير ، إنّما اتّبعوا النّار ليردّوها ، وقالوا : من ردّها فهو أولى بالحقّ . فدنا منها رجال من حمير بأوثانهم ليردّوها ، فدنت منهم لتأكلهم ، فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردّها ، ودنا منها الحبران بعد ذلك ، وجعلا يتلوان التّوراة وتنكص عنهما ، حتّى ردّاها إلى مخرجها الّذي خرجت منه ، فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما . واللّه أعلم أيّ ذلك كان . وكان رئام بيتا لهم يعظّمونه ، وينحرون عنده ، ويكلّمون منه ؛ إذ كانوا على شركهم ، فقال الحبران لتبّع : إنّما هو شيطان يفتنهم بذلك ، فخلّ بيننا وبينه ؛ قال : فشأنكما به ، فاستخرجا منه - فيما يزعم أهل اليمن - كلبا أسود فذبحاه فذبحناه ، ثمّ هدّما ذلك البيت ، فبقاياه اليوم - كما ذكر لي - بها آثار الدّماء الّتي كانت تهراق عليه . ( ابن هشام 1 : 20 - 28 ) وكان تبّع الأوّل : من الخمسة الّتي كانت لهم الدّنيا بأسرها ، فسار في الآفاق ، وكان يختار من كلّ بلدة عشرة أنفس من حكمائهم ، فلمّا وصل إلى مكّة كان معه أربعة آلاف رجل من العلماء ؛ فلم يعظّمه أهل مكّة فغضب عليهم ، وقال لوزيره ( عمياريسا ) في ذلك ، فقال الوزير : إنّهم جاهلون ويعجبون بهذا البيت ، فعزم الملك في نفسه أن يخرّبها ويقتل أهلها ، فأخذه اللّه بالصّدام وفتح من عينيه وأذنيه وأنفه وفمه ماء منتنا عجزت الأطبّاء عنه ، وقالوا : هذا أمر سماويّ ، وتفرّقوا . فلمّا أمسى جاء عالم إلى وزيره وأسرّ إليه ، إن صدق الأمير بنيّته عالجته ، فاستأذن الوزير له ، فلمّا خلا به قال له : هل أنت نويت في هذا البيت أمرا ؟ قال : كذا وكذا ، فقال العالم : تب من ذلك ولك خير الدّنيا والآخرة ، فقال : قد تبت ممّا كنت نويت ، فعوفي في السّاعة ، فآمن باللّه وبإبراهيم الخليل ، وخلع على الكعبة سبعة أثواب ، وهو أوّل من كسا الكعبة . وخرج إلى يثرب ، ويثرب هي أرض فيها عين ماء ، فاعتزل من بين أربعة آلاف رجل عالم أربعمئة رجل عالم على أنّهم يسكنون فيها . وجاؤوا إلى باب الملك ، وقالوا : إنّا خرجنا من بلداننا ، وطفنا مع الملك زمانا ، وجئنا إلى هذا المكان نريد المقام إلى أن نموت فيه . فقال الوزير : ما الحكمة في ذلك ؟ قالوا : اعلم أيّها الوزير أنّ شرف هذا البيت بشرف محمّد صلّى اللّه عليه وآله صاحب القرآن والقبلة ، واللّواء والمنبر ، مولده بمكّة وهجرته إلى هاهنا ، وإنّا على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا . فلمّا سمع الملك ذلك ، تفكّر أن يقيم معهم سنة رجاء أن يدرك محمّدا ، وأمر أن يبنوا أربعمئة دار ، لكلّ واحد دار ، وزوّج كلّ واحد منهم بجارية معتقة ، وأعطى لكلّ واحد منهم مالا جزيلا . ( مناقب آل أبي طالب 1 : 38 ) وللسّهيليّ كلام طويل في شرح ما ذكره ابن إسحاق ، فلاحظ ( 1 : 69 - 73 ) أبو عبيدة : ملوك اليمن كان كلّ واحد منهم يسمّى تبّعا لأنّه يتّبع صاحبه ، وكذلك الظّلّ لأنّه يتّبع الشّمس .